مي كامل
٢١ - أبريل - ٢٠١٣
لاتجبر الانسان ولا تخيره.. يكفيه ما فيه من عقل بيحيره.. اللى النهاردة بيطلبه ويشتهيه.. هو اللي بكرة ح يشتهي يغيره.. عجبي !!




مني.. إليه،
في عامه الثالث والعشرين..
يتذكر انه منذ خمس اعوام لم يكن ليصبح هذا الرجل / الشاعر ، ولولا وهم الثانوية العامة وغدر بعض الرسوم الهندسية لكان في صحراء مقفرة تضغط على رأسه خوذه ويغط في التراب والرمال من اجل بضعة رسوم هندسية.. فلعنة الله على الرسوم الهندسية وتحيا القرارات الفجائيه، ويتذكر الجريدة وصاحبها وهدوء استقبال القرارات المصيرية.
يتذكر انه لم يحتفل بعيد مولده منذ العام التاسع عشر وفيه شعر انه رغم العشق ورغم الخوف ورغم الحزن ورغم الفكر طفل يلهو يتسلى بالموج قليلا ثم يدير إليه الظهر.
يتذكر منذ اربعة اعوام حين كان الرجل الغامض يرتدي الف قناع متغير وقناع الشعر وحده ثابت، حين آمن من البدء ان الحياة ارتجال وان الغرام قضاء والله شاء فلا يعلم لماذا يحب بالاساس، ورغم كثرة الاقنعة، يبقى قناعا واحدا لا يود الذهاب، وتبقى ملامح الطيبة وحدها ترفرف حوله كقديس لايعلم انه المختار.
يتذكر منذ ثلاثة اعوام حين بدأت احد المعارك النسائية.. وبعضا من ضغط عال وامنية لم تكتمل لكلينا.. يتذكر ديوان باهداء بارد يدخل تحت بند المجاملة.. ورحلة مع بعض الاشباح لسيوة.. ويعترف بانه يتلحف النسيان وحين يرى العيون تربصت، كي يفقد الوجه الملامح والصور وكانه هو من نسى!.. وينتهي الفصل كنهاية احد الافلام الدرامية موت مأساوي وهروب من الرفاق وتغيم الغربة على الاجواء.
يتذكر منذ عامين.. حين عاد شخص جديد.. حين طلب منها بعض الحقيقة
قولي لهم ..
بأنه لمّا يكن يوما كما ادعوا
فظا غليظ القلبْ
وأنه أحَبْ
وأنه جبانْ
يغادر الأحبابَ قبل أن يغادر المكانْ
معلّقا على مشاعلِ الوداعِ والرحيلْ
وحين طاردتهما بعض الدواجن في احد الاحياء الفقيرة، وتمر الوقت ليعرف انه ماعاد الحلم يكفي ويحاول ان يكتب افضل، وتضم سطوره بعضا من رحيق انثوي ويتهمه الرفاق بتغير الحال.. وما كاد العام ينتهي حتى يتغير الحال وتستمر اسطورة الفقد.
يتذكر منذ عام واحد حين فتح الملف السياسي الشائك "شرارة الاحتلال" ويعلم ان هناك الاخطر منه، وحين تعرف على عاصمة الجمال، وحين علمها معنى "ذاكرة بلون البرتقال" فلم تكن تعرف لهذا اللون معنى بعد او ربما كانت فقدته.. وحين عرفت السطور له توقيع فبات اسمه في السطور مارقا يحفظه بعض القارئين ويختلفون في الهاء والتاء المربوطة.
وفي عامه الثالث والعشرين يعود طفلا يحتفل بميلاده، لايدر اي عام ينتظره، قد يغيم عليه بعضا من احزان الماضي.. قد يغمره بعضا من لون البرتقال، وقد تحتفل بك العاصمة الفرنسية قدر عام او اثنين، فالحياة -كما آمنت- ارتجال.. فاطمئن صغيري.. فهذا العام ليس مثل كل الاعوام السابقة.. هذا العام الرب يرعانا من السماء.. والملائكة حولنا تحرسنا.. واذا الله شاء.. فسيغمرنا لون البرتقال.. وسيؤمن لنا مكانا في السطور بتوقيع لن يختلف حوله الرفاق.. ولن يعد الحلم يكفي.. لان الواقع سيستحيل الى جنة في السماء.
كل عام وانت الافضل دوما

مي كامل
دوما هي اشارة مرور تلك التي تحدث لنا وقفة، وقفة سيارة كانت مسرعة لتصبح سيارة متوقفة تماما، تشرد بذهنك قليلا، تعبر بذهنك سنين واعوام اعوام جميلة تحمل ذكريات تفرض عليك بسمه تنبت من بين ثغرك وسنين يكاد يتفطر قلبك حزنا لما حدث فيها او حزنا عليها ما الفرق؟
لم تكن اشارة مرور واحدة تلك التي تخترق طريقها من الجامعة للمنزل ، بل كانت بضعة اشارات مختلفة، اعتادت ان تسير لكوبر الدقي لتنتظر ذلك الاتوبيس اللعين الذي لا ياتي ابدا في موعده، احتارت الاف المرات في فكرة العقاب الالهى بالاتوبيس، كانت تختبر الفرضيات يوميا فتارة ياتي في ميعاده فتعلم ان الرب ربما يكون راض عنها وتارة يتأخر فتتدراك الامر وتفكر سريعا "ياترى ايه الذنب اللى عملته النهاردة؟"
ولان الانسان لا يحيى بلا ذنوب فكانت تخرج بالذنب فورا "أأأه يبقى اكيد عشان كدة.. يارب عاهدتك مش هعمل كدة تاني" تستغفر ربها وتتمتم ببضعة ادعية حفظتها الذاكرة على اكمل وجه ثم تكمل انتظار.. وتبدأ في عملية من السرح المتواصل على مدار ساعة ونصف هو مدة الطريق منذ لحظة وصول الاتوبيس وحتى نزولها عند معرض السيارات الذي تسكن اعلاه!
(1)
توقف الاتوبيس لانتظار الاشارة وشردت قليلا او ربما اكملت ماكانت شاردة به منذ اول الطريق منذ لحظة الانتظار، بدأت كعادتها بحساب الوقت الزمني الذي تحتاجه لتتمكن اخيرا من شراء سيارة صغيرة ترحمها من تلك المواصلات ومن فكرة الانتظار ، تنتقل لفكرة ان الوقت يمر سريعا ولا داعي للانتظار فليس له مكان في الحياة، ثم تسرح بفكرة وردية تتخيل فيها مقاعد سيارتها والكنبة وهي ممتلئة باصداقائها لتقوم هي بتوصيلهم كل الى منزله لترحمهم هم الاخريات من المواصلات لتشعر بالفخر فيما بعد انها قد استخدمت السيارة لاسعاد من حولها، تفكر في موقف صعب سيأتي عليها حينما ستشفق على أحد اصدقائها من الشباب على ركوبه مواصلات وتضطر لتوصيله.. وموقفها امام الناس وهي تركب هي وهو وحدهما!.. تفق من احلامها على ابتسامة واشارة وتحية لصديقة كانت معها بالمدرسة وبالصدفة وجدتها في الاتوبيس.
(2)
كعادة أية احاديث بين أناس افترقوا.. يسرد كل منهم في الانجازات التي اجتاحته في اعوامه الاربعه التي تخلفا فيها عن مقابلة بعضهما البعض.. تبدا في سرد كلامها بطريقة حديث جديدة.. تطعمها ببضعة الفاظ لم يكن اعتاد عليها لسانها منذ اربعة اعوام.. تلمح في عيني رفيقة الدراسة ارتفاعا قليلا في الحاجب الايمن وتعزي ذلك لتعجبها من تطور شخصيتها.. تصمت قليلا وتسرح في فكرة هايفة وهي انها لم تتقن ابدا رفع الحاجب الايمن وحده.. دوما الحاجب الايسر فقط ثم ما تلبث ان تذكر ان لكل امكانياته فتصمت قليلا لتعطيها الفرصة لتستعرض ماحدث لها.. وبالمناوبة تبدأ الاخرى في الحديث والسرد.. تعلم انها تعمل الان وهي تدرس وانها قد احبت هي التي كانت الفتاة الوحيدة في الفصل التي كانت تتهم المحبين بالسفه.. يمر الاتوبيس سريعا على الكورنيش ولا تعلم هي لماذا اكتسبا هما الآخرتين السرعة في الحديث.. وكأنهما يحاولا اللحق بما تبقى لهم من آخر دقائق معا!
(3)
تنتهي كل منهما من الحكي والسرد.. يبتسمان لبعضهما البعض.. يأتي صديقتها رنين الهاتف وترد على حبيبها الذي منذ قليل كانت تحكي كيف انها تعشقه.. تتحدث معه بدلال دافيء.. تبتسم وتوميء برأسها حينا وكأنه يجلس امامها.. في خبث واضح تهمس له بأنها ليست وحدها وماهي الا ثانيتين وتغلق الهاتف.. ثم بابتسامة دافئة اخرى وقبلتين على الخدين ثم "احب اشوفك تاني.. سلام" "وانا كمان ولله.. باي"
تشعر وكانها للتو قد خرجت من آلة الزمن التي اخذتها في رحلة عبر أربع أعوام من عمرها.. تشعر وكانها تنفض عنها غبار مشقة الرحلة.. تشعر بالراحة والرضى عما آلت اليه.. هي ايضا تحب ولكنها لن تسمح لاحد بان يقتحم حياتها العشقية الخاصة.. لم تؤمن بمن يصرخ بالحب.. تجد في ذلك رياء كبير.. تتنهد وتتمتم "وانا مالي"
تفتح كتابها.. وتلقي نظرة على غلاف الرواية التي تعشقها وتعشق غلافها تقولها "الحب في المنفى" وتشرع فيما توقفت عنده!

هي قطع صغيرة لتكتمل الأحجية .. مائة ربما او ما يزيد بقليل ..
ويسألني .. أ واكتملت؟؟
لازال الوقت يقطعنا .. ونقطعه .. ونتعثر ببضعة أحجار إلا أننا نحيلها فتاتا .. لنكمل الطريق .. ينتابنا الألم والأسى ولكننا نثابر قليلا قليلا.
"الوقت يتكفل بكل شيء" .. كذبوا .. ليس كل شيء .. فتلك الأحجية لم تنته بعد !! وان لم ننهها نحن فكيف تنتهي وحدها ؟؟ أو للوقت ساعدان كي يتمها ؟! هراء.
نحاول –ألما- إعادة الكرة حين نتفقد الجزء الخاطئ في الأحجية ..
نحاول –أسفا- البحث عن الجزء الناقص الذي وقع تحت الكنبة ومن ثم اختفي تحتها بفعل مرور الزمن لنطلق على الوقت المار "هو التقادم".
"القطعة السابعة والتسعون"
مجموعة أفراد يلوحون بصالة مغادرة .. مغادرة من؟ "ليس في تلك القطعة" .. هناك من تبتسم في الخلف مع علمها بحرقة الفراق التي ستنتابها بعد لحظات إلا أنها أتقنت تمثيل الوداع السعيد ..
"الوداع السعيد.. كانت تلك كلمتان احتوتهما قطعة من الأحجية القابعة في صندرة المنزل .. لم يعد لها معني ولم يكن لها معنى من ذي قبل .. أي وداع سعيد ؟!!"
تحتشد أجسام بالقطعة إلا أن الرؤوس لا تظهر ربما كانت في القطعة السابقة .. فلنبحث عنها ..
الوقت سيقطعنا .. لن نبحث عنها إن لم تكن الرؤوس موجودة بالفعل في القطعة السابقة فسنتركها للتقادم !
"القطعة الثامنة والتسعون"
ليس هناك من يبتسم .. ولكنها بضعة رؤوس محتشدة .. وجوه مكفهرة .. وكأنه حر شديد .. ليس هناك من ينتبه لأحد .. الكل في تجهمه .. ينظرون نحو نقطة واحدة .. أي نقطة تلك تجذب كل تلك الأعين الواسعة .. لا أحد يقو على الحراك .. حسبهم النظر .. وحسبك استشعار ما لو قالوه لو ان لم النطق ..
لم يظهر في القطعة سوى أرجل مستلقية على فراش .. الجسد لم يكتمل فلا تبحث عن وجه صاحب الجسم .. لن تجده الآن.
"القطعة التاسعة والتسعون"
مبنى يتداعى .. هو ليس مبنى بل أشبه بحديقة ..
ربما بضعه أحجار تلقى في الهواء .. ولكن هناك أطلال صغيرة .. إذاً هو عمارة ربما أو سقوط برج ! هو تشوه لملامح كانت تشكل نسق معين ذات يوم
الشكل غير واضح والقطعة صغيرة الحجم جدا .. كل ما يتضح هو الانهيار !
"القطعة المائة"
لازلت ابحث عنها .. ربما كانت تلك التي فقدناها -أسفا- ووقعت في مكان ما .. لازلت ابحث عنها .. خلف الأدراج .. أسفل الأشياء .. لازلت أبحث في كل مكان.
أحاول العثور عليها كي توضع في مكانها .. كي نعيد رصف الأحجية .. نعم رصفها وتنسيقها .. كي نعيد الترتيب المنمق كما عهدنا أنفسنا .. كي نرفع قضية احتجاج أمام العبث والفوضى ..
كي نرفض ونسخط على وضع تبعثر .. على وضع رفض التنظيم ..
اركز الضوء .. أسلطه على كل بقعة في الحجرة .. بعزم أردد:
- سأجد القطعة ..
- سأجد القطعة ..
- سأجد القطعة إن شاء الله
يقطعني صوت هادئا يأتي بقربي .. ينحني نحوي من فوق مقعده و يسألني ..
أ واكتملت؟!!!